يعرف العالم ثورة علمية منقطعة النظير، حيث صار العلم هو الفاصل بين تطور البلدان من تخلفها. فالدول المتطورة هي الدول التي أهتمت بالعلم وأولته أهمية خاصة ووضعته على رأس قائمة الأولويات قولا وفعلاَ ، أما الدول التي أهملت العلم وانشغلت عنه بسفاسف الأمور فشربت من كأس التخلف عن ركب التنمية حتى ارتوت، لأن العلم هو أساس التقدم والتطور فبدونه تضيع البوصلة وتضيع معها سياسات التنمية في شتى الميادين.
وللأسف الشديد نجد المغرب من بين البلدان التي لم تهتم بالبحث العلمي، فلطالما سمعنا المسؤولين عن السياسات التعليمية يتغنون بأهمية العلم ودوره في تشييد المغرب الجديد غير أن كلامهم يظل مجرد حبر على ورق لا يرقى الى مستوى التطبيق، هذا بغض النظر عمن ينظر لهذه السياسات ويصدرها لبلدنا وكأن أبناءه فئرانا للتجارب فمن ميثاق إلى ميثاق ومن إصلاح إلى آخر دون تقييم جدي يستطيع أن يقوم ما أفسدته السياسات المتتالية والتي لم يحصل البلد من ورائها سوى نظاما تعليميا هشا. وكيف لا يكون هشا والميزانية التي تخصص للبحث العلمي في المغرب لا يمكن إلا أن نصفها بالهزيلة حيث لا تتعدى 6% من الناتج الداخلي الخام 90% منها تصرف لأداء الأجور وماتبقى يصرف للتسيير والتجهيز والإستثمار. في الوقت الذي تصرف فيه ملايين الدراهم في أنشطة يسمونها ثقافية وهي أبعد ماتكون عن الثقافة الحقة التي تبني الفرد والمجتمع ككل. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا السياق هو : ماذا يستفيد المواطن المغربي من مثل هذه المهرجانات التي تستنزف جيوبنا بدون جدوى تذكر؟ وربما يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذه المهرجانات جالبة للسياح وناشرة (للثقافة المغربية) -وكأن ثقافتنا هي الطرب والرقص وهز الكتف - ولكن متى كانت السياحة مصدر تنمية حقيقة، وها نحن اليوم أمام أزمة عالمية هوجاء تعصف بالعالم، ولم تترك للسائح الغربي مجالا ليعيش كماليات الحياة، فلما تصرف أموالنا في أمور هامشية ويغفل عما هو أساسي لتحسين ظروف عيش المغاربة وعلى رأس القائمة البحث العلمي، الذي يعيش أزمات في بلادنا.
ومن أجل تدارك هذا الواقع وإصلاح مايمكن إصلاحه تم تبني المخطط الإستعجالي لترقيع السياسة التعليمية رغم أنها ليست بحاجة إلى استعجال وإنما إلى التأني في التخطيط من اجل بلوغ الأهداف المنشودة وما الحال التي عليها التعليم بالمغرب إلا نتيجة الإستعجالية في تبني السياسات التعليمة.
وحتى نكون موضوعيين أكثر، لن ننكر أن ماسطرته وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي من أهداف في إطار المخطط الإستعجالي (إعداد المدرسة وتكوين المدرس وجلب التلاميذ إلى المدرسة) تعتبر أهدافا هامة تشكل ركائز أساسية لبناء تعليم متميز، ولكن يظل ماهو نظري شيء، والواقع شيء اخر بعيد جدا عن التطبيق، وبحكم تواصلنا مع العديد من الأطر التعليمية التي تم انتقاؤها في هذا المخطط تم نفي استفادتهم من أي تكوين كما هو وارد في الأوراق المنظرة للمخطط الإستعجالي، هذا من ناحية.
من ناحية أخرى نجد أن العديد من الكفاءات التعليمية المتميزة فعلا تفتقر إلى أخلاقيات المهنة وهذا مايساهم في نخر جسد التعليم في بلادنا حيث انتشر فيروس دروس الدعم بشكل خطير جدا وياليتها دروس دعم فعلا وإنما هي دروس تميز التلميذ المقرب من الاستاذ والمبعد عنه، حيث نجد أن التلاميذ الذين يتلقون دروس دعم عند أستاذهم هم من المرضي عنهم ويحصلون على معدلات جيدة حتى وإن كان مستواهم ضعيف وأما أولائك الذين يعاني أهلهم من ضيق ذات اليد، فهم من المغضوب عليهم طبعا. كما نجد أيضا من التلاميذ من يتلقى دروس الدعم لدى أستاذه في المادة من أجل الحصول على القرب المرغوب فيه ويتلقاها أيضا في مكان آخر من طرف أستاذ آخر لقدرته على الشرح بأسلوب أفضل، الأمر الذي يشكل عبئا كبيرا جدا على جيوب أولياء أمور التلاميذ. هذا بغض النظر عن ظاهرة الغش في الإمتحانات من طرف التلاميذ والطلبة وتواطؤ بعض الأستاذة للأسف معها حيث تطورت أساليب الغش بشكل كبير ليصل الأمر إلى اللجوء إلى شبكة الاتصالات اللاسلكية.
وبالتالي كل الأهداف المسطرة تظل رهينة تخليق الحياة التعليمية من ألفها إلى يائها، وكذلك رهينة تقييم فعلي ميداني في جميع المؤسسات التعليمية بالمملكة، بالاضافة إلى توفير ميزانية مهمة للإستثمار في البحث العلمي لأنه مفتاح التنمية الحقة. وما ورد في هذا المقال من نقد موضوعي ليس إلا غيرة منا على واقع بلدنا الحبيب.